الغزالي
104
مجموعة رسائل الإمام الغزالي
فصل في أصول التصوف أكل الحلال والاقتداء برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أخلاقه وأفعاله وأوامره وسنته . ومن لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر لأن علمنا مضبوط بالكتاب والسنة . أخذ هذا المذهب بالورع والتقوى لا بالدعاوى . التصوف : أوله علم وأوسطه عمل وآخره موهبة . فالعلم : يكشف عن المراد ، والعمل : يعين على الطلب ، والموهبة : تبلغ غاية الأمل . وأهله على ثلاث طبقات : مريد طالب ، ومتوسط سائر ، ومنته وأصل . فالمريد صاحب وقته ، والمتوسط صاحب حال ، والمنتهي صاحب يقين ، وأفضل الأشياء عندهم عد الأنفاس . فمقام المريد المجاهدات والمكابدات وتجرع المرارات ومجانبة الحظوظ وما على النفس فيه تبعة . ومقام المتوسط ركوب الأهوال في طلب المراد ومراعاة الصدق واستعمال الأدب في المقامات وهو مطالب بآداب المنازل وهو صاحب تلوين ، لأنه ينتقل من حال إلى حال وهو الزيادة . ومقام المنتهي الصحو والثبات وإجابة الحق من حيث دعاه قد تجاوز المقامات ، وهو في محل التمكين لا تغيره الأهوال ولا تؤثر فيه الأحوال . قد استوى في حال الشدة أو الرخاء والمنع والعطاء والجفاء والوفاء . أكله كجوعه ونومه كسهره . قد فنيت حظوظه وبقيت حقوقه ظاهرة مع الخلق ، وباطنه مع الحق كل ذلك من أحوال النّبي صلى اللّه عليه وسلم . المنتهي لو نصب له سنان في أعلى شاهق في الأرض وهبت له الرياح الثمانية ما حركت منه شعرة واحدة . وقيل : سموا صوفية لأنهم وقفوا في الصف الأول بين يدي اللّه عزّ وجل بارتفاع هممهم وإقبالهم على اللّه تعالى بقلوبهم ووقوفهم بين يديه بسرائرهم . فصل في الملامتية حكم الملامتي أن لا يظهر خيرا ولا يضمر شرا . وشرح هذا : هو أن الملامتي تشربت عروقه طعم الإخلاص وتحقق بالصدق فلا يحب أن يطلع أحد على حاله وأعماله . والملامتية لهم مزيد اختصاص بالتمسك بالإخلاص يرون كتم الأحوال ويتلذذون بكتمها حتى لو ظهرت أعمالهم وأحوالهم لأحد استوحشوا من ذلك ، كما يستوحش العاصي من ظهور معصيته . فالملامتي عظّم موقع الإخلاص وموضعه وتمسك به معتمدا به . والصوفي غاب في إخلاصه . قال أبو يعقوب السوسي : متى شهدوا في إخلاصهم الإخلاص احتاج إخلاصهم إلى إخلاص . قال بعضهم : صدق الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الحق ، والملامتي يرى الخلق فيخفي عمله وحاله . قال جعفر الخلدي : سألت أبا القاسم الجنيد قلت : بين الإخلاص والصدق فرق ؟ قال : نعم الصدق أصل وهو الأول والإخلاص فرع وهو تابع . وقال : بينهما فرق لأن الإخلاص لا يكون إلا بعد الدخول في العمل . ثم قال : إنما هو